ابن كثير
369
البداية والنهاية
وغيرهم ، فنازل طرابلس يوم الجمعة مستهل ربيع الأول ، وحاصرها بالمجانيق حصارا شديدا ، وضيقوا على أهلها تضييقا عظيما ، ونصب عليها تسعة عشر منجنيقا ، فلما كان يوم الثلاثاء رابع جمادى ( 1 ) الآخرة فتحت طرابلس في الساعة الرابعة من النهار عنوة ، وشمل القتل والأسر جميع من فيها ، وغرق كثير من أهل الميناء وسبيت النساء والأطفال ، وأخذت الذخائر والحواصل ، وقد كان لها في أيدي الفرنج من سنة ثلاث وخمسمائة إلى هذا التاريخ ، وقد كانت قبل ذلك في أيدي المسلمين من زمان معاوية ، فقد فتحها سفيان بن نجيب لمعاوية ، فأسكنها معاوية اليهود ، ثم كان عبد الملك بن مروان جدد عمارتها وحصنها وأسكنها المسلمين ، وصارت آمنة عامرة مطمئنة ، وبها ثمار الشام ومصر ، فإن بها الجوز والموز والثلج والقصب ، والمياه جارية فيها تصعد إلى أماكن عالية ، وقد كانت قبل ذلك ثلاث مدن متقاربة ، ثم صارت بلدا واحدا ، ثم حولت من موضعها كما سيأتي الآن . ولما وصلت البشارة إلى دمشق دقت البشائر وزينت البلاد وفرح الناس فرحا شديدا ولله الحمد والمنة . ثم أمر السلطان الملك المنصور قلاوون أن تهدم البلد بما فيها من العمائر والدور والأسوار الحصينة التي كانت عليها ، وأن يبنى على ميل منها بلدة غيرها أمكن منها وأحسن ، ففعل ذلك ، فهي هذه البلدة التي يقال لها طرابلس ، ثم عاد إلى دمشق مؤيدا منصورا مسرورا محبورا ، فدخلها يوم النصف من جمادى الآخرة ، ولكنه فوض الأمور والكلام في الأموال فيها إلى علم الدين الشجاعي ، فصادر جماعة وجمع أموالا كثيرة ، وحصل بسبب ذلك اذى الخلق ، وبئس هذا الصنيع فإن ذلك تعجيل لدمار الظالم وهلاكه ، فلم يغن عن المنصور ما جمع له الشجاعي من الأموال شيئا ، فإنه لم يعش بعد ذلك إلا اليسير حتى أخذه الله أخذ القرى وهي ظالمة ، كما سيأتي . ثم سافر السلطان في ثاني شعبان بجيشه إلى الديار المصرية ، فدخلها في أواخر شعبان . وفيها فتحت قلاع كثيرة بناحية حلب : كركر ، وتلك النواحي ، وكسرت طائفة من التتر هناك ، وقتل ملكهم خربندا نائب التتر على ملطية . وفيها تولى الحسبة بدمشق جمال الدين يوسف بن التقي توبة التكريتي ثم أخذها بعد شهور تاج الدين الشيرازي . وفيها وضع منبر عند محراب الصحابة بسبب عمارة كانت في المقصورة ، فصلى برهان الدين الإسكندري نائب الخطيب بالناس هناك مدة شهر ، الجماعات والجمعات ، ابتدأوا ذلك من يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة . وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخة فاطمة بنت الشيخ إبراهيم زوجة النجم بن إسرائيل ، كانت من بيت الفقر ، لها سلطنة وإقدام وترجمة وكلام في طريقة
--> ( 1 ) في السلوك 1 / 747 : رابع ربيع الآخرة ، وفي مختصر أبي الفداء 4 / 23 : أول ربيع الآخر .